لن تتجدّد الثورة السورية من إدلب

by on 27 September 2018

تنفَّسَ الصعداءَ المنحازون للثورة السورية، حينما رأَوا أعلامها تملأ سماء مدينة إدلب، وبعض أرياف حلب وحماة. وجاءت السعادة الكبيرة بعد شعورٍ عارم بالهزيمة المرَّة، حيث خسرت الثورة أغلبية مدنِها، وحوصرت في إدلب، وبعض أرياف حماة وحلب واللاذقية. 
تحقّ للمنحازين سعادتهم هذه، فالثورة التي أطلقت في 2011 تكبّدَت خسائر مخيفة من ناحية، ومن ناحية أخرى، همَّشت النظام بشكل كامل، ولولا إيران وروسيا لانتهى، وإذا انسحبا سيتلاشى فوراً. الإشكالية الكبرى في أن هذه السعادة تُشبه ما كان يجري للسوريين عامي 2011 و2012، أي التعلق بالشعارات والأعلام والجمل الثورية.. وفي النهاية، تلك الهزيمة المرَّة! ألا يستدعي ذلك منّا، وبعد ثماني سنوات من المجد والهزيمة، أن نتساءل: هل حقاً ستتجدّد الثورة؟ هل المظاهرات العارمة في إدلب تَشي بتجدّدها؟ هل تشبه هذه المظاهرات مظاهرات الأعوام الأولى، لما كانت سمتها الأساسية الاستقلال، ومحاولة إسقاط النظام عبر الثورة. 
سارعت أقلامٌ كثيرة إلى القول إن الثورة تتجدّد، وروحها تنبعث حيّة. هذا حديث أضغاث أحلام، وسبب قولي هذا أنه، في ظل التحكّم الدولي والإقليمي في إدلب وكامل سورية، فإن هذه المظاهرات تصبّ في مصلحة تمكين الدولة التركية من الاستيلاء على محافظة إدلب. تتعرّض تركيا لضغوطٍ من الجانب الروسي، وبهدف تفكيك هيئة تحرير الشام وحراس الدين والحزب الإسلامي التركستاني، وكذلك للقضاء على استقلالية مدينة إدلب. لعبت تركيا، وضمن سياق علاقاتها (خدماتها) مع روسيا، دوراً في إنهاء حلب والغوطة ودرعا، وحازت قبالة ذلك على جرابلس والباب وبلدات أخرى وعفرين أخيرا، والآن بدرجة ما إدلب. وكذلك تأتي المظاهرات بسياق رغبة شعبية واسعة في التخلص من الهيئة، وإيقاف هجوم النظام وروسيا على مدينتهم. المظاهرات الضخمة، وعلى الرغم من رفعها علم الثورة، لا تعطي أي مؤشر على تجدّد الثورة. 
نعم لم يخطئ من قال إنّها تُشبه المسيرات التي كان يُخرجها النظام! وعلى الرغم من ذلك، ربما تساهم أجواء الضغوط الإقليمية على هيئة تحرير الشام في تحصيل الشعب حرياتٍ عامة، ويطوّر مشاركاته الثورية المستقلة. لا تتجدّد الثورة من دون قيادة في الداخل، ومن دون مؤسساتٍ ثوريةٍ وفعاليات مستقلة، وفي كل مجالات الحياة؛ المشكلة أنّه ليس هناك أيّ مؤشرات نحو ذلك. 
سيشكل الاتفاق أخيرا بين تركيا وروسيا عائقاً لاستمرار المظاهرات، وهي وإن تجدّدت، بعض الوقت، فإنّها سرعان ما ستخمد بشكل كبير؛ فما نراه بأم العين في جرابلس والباب يوضح مستقبل إدلب تحت سيطرة تركيا وروسيا. وربما سيكون لإدلب وضع خاص، حيث ستتمتع بسيطرةٍ من أدوات هاتين السيطرتين عليها. سيعيد النظام بعض أشكال سيطرته على المدينة عبر المؤسسات الخدمية، والأتراك سيشرفون على بعضها الآخر، ولا سيما بما يتعلق بالفصائل، والتي ستتحول إلى قوات شرطة، وستسحب منها بالتأكيد الأسلحة الثقيلة. تجديد الثورة، وعلى الرغم من وجود شروط كثيرة لها، فإنه يتطلب عودة الشعب إلى بلداته، وهامشاً من الحريات، وربما البدء باستقرار سياسي أولي. الآن، هناك نهاية لكل استقلالية للسوريين، وما يحصل في إدلب يأتي في هذا الإطار بالتحديد. 
لن تتجدّد الثورة حالياً، فأين حلب وحمص وحماة ودرعا والرقة والدير واللاذقية؟ ليس وجود ملايين عدّة في إدلب، ومن مدن سورية، عاملاً مساعداً وتأسيساً للقول بالتجدّد. سيكون وضع إدلب، ولا سيما بعد الاتفاق التركي الروسي أخيراً، وفق اتفاقية أستانة وخفض التصعيد. أكثر ما سيتحقق هو تجنيب المدينة حمام دم ودمارا وتهجيرا، وهو أمر عظيم. الأسوأ أن أدوات تركيا هناك، كما في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، ليست سوى فصائل بلا مرجعية وطنية أو أخلاقية أو حتى دينية، وهي تابعة للأتراك. لن تستقر الأوضاع قبل الحل السياسي في كل سورية، فوضع الناس في طرطوس واللاذقية ودمشق وحمص والسويداء هو في أسوأ حال، ومن كل النواحي. وبالتالي، كل الخيارات مفتوحة في مدينة إدلب، باستثناء أن يقرّر الأهالي مصيرهم، وأن تتجدّد الثورة. 
تتجدّد الثورة، حينما تفرض الاحتلالات نفسها بشكل كامل، وتتّضح الكارثة فيها، حيث لا مشروع اقتصادياً لإعادة الإعمار، ولا حريات حقيقية للتعبير، وستعاني سورية من نهب، وستشطب مفاهيم المحاسبة أو العدالة الانتقالية. لن تتحقق الأخيرة في ظل الاحتلالات، فهي ستعتمد على بعض أمراء الحرب، وربما ستشطب بعضهم، لكنها لن تتقدّم بأي خطوات برنامجية للحل السياسي، وللنهوض بالمجتمع، ولتطبيق العدالة الانتقالية والمحاسبة. 
يُفترض بالمعارضة، وكل الفاعلين السوريين، رَميَ الأوهام من عقولهم نهائياً؛ سورية الآن تحت احتلالات، والنظام وحتى الفصائل التي عارضته ستتحوّل إلى سلطات “مرتزقة” لصالح الخارج. عدا ذلك، هناك حالة الإفقار الشديد والدمار الواسع وملايين اللاجئين والمهجرين، وهذه الشروط ستدفع نحو الاستكانة، والانتظار ريثما تتضح لهم كوارث الاحتلالات. ربما تظهر مجموعات مسلحة جهادية، بسبب كارثة الوضع والإذلال الكبير، حيث ستعمّق الاحتلالات ممارساتها الهمجية، ومنع كل أشكال الحقوق. آخر ممكن أيضاً هو أن كثرة الاحتلالات، وحساسية الوضع السوري عالمياً، وعدد اللاجئين الضخم، واكتشافات النفط أخيرا في البحر السوري، ستضاعف من الاهتمام الدولي بسورية، وبالتالي النهوض بسورية، اقتصاداً وسياسة. الاحتمال الأخير، وعلى الرغم من صعوبة الإقرار به، لا يمكن شطبه بالكامل. 
على الرغم من هذه الملاحظة، يتجه الوضع السوري نحو خمود المظاهرات، وتحكّم أكبر للأدوات المحلية (النظام والفصائل وهناك قوات الحزب الاتحادي الديمقراطي “الكردي”)، التابعة لكل أشكال الاحتلال، وبالتالي فإن مهمة المثقفين والباحثين السوريين تتحدّد حالياً باقتراح مشاريع للنهوض في سورية، ومن زاوية وطنية، والبحث في أسباب واقعية لتجديد الثورة؛ أي يجب فهم الشرط السوري، وممكنات الفعل الثوري، وكيفية إعادة الدور السياسي للشعب، والتخصّص في النشاطات السياسية والثورية والحقوقية والنسائية. 
الثورة السورية كما كانت في 2011 هُزمت، وتجدّدها مرتبط بفهم شروط الواقع وأسباب الإخفاق والبحث عن الأشكال الممكنة لتغييره، وإيجاد القيادة الثورية لها.

عمار ديوب

المصدر: العربي الجديد