أحد أخطر مفرزات الحرب الإرهابية ما هو مصير الأطفال مجهولي النسب في ضوء السجال القانوني والشرعي والرفض المجتمعي؟!

by on 18 Σεπτεμβρίου 2018

الشهباء – زينب شحود – بريوان محمد

لا تزال قضیة الأطفال المكتومین، أو بعبارة أدق مجهولي النسب، من أكثر القضایا غموضا والتباسا في مجتمعنا، ولاسيما بعد هذه الحرب القذرة التي مرت بها سورية، والتي سببت كارثة دمرت البشر والحجر، حيث وصلت معدلات هؤلاء الأطفال إلى 350 ألف طفل یعیشون على هامش الحیاة بلا اسم أو لقب أو جنسیة، مجردین من كافة حقوقهم، ضحایا “أم” ارتضت – كرها أم طوعا – الزواج من شخص تابع للتنظيمات الإرهابية، وثمرة محرمة لزواج غير شرعي أطلقوا عليه اسم “جهاد النكاح” الذي روجت له ما يسمى بالهيئات الشرعية لدى هذه التنظيمات المارقة والمتحللة دينيا وأخلاقيا واجتماعيا.

لم تنتظر معاناة مجهولي النسب في سورية انتهاء الحرب لتبرز كواحدة من أعقد نتائجها، بل بدأت تزداد وتتسع مع ازدياد أعداد المواليد غير المسجلين، خاصة في المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة المجموعات الإرهابية المسلحة.

قصص وحكايا عجيبة وغريبة أفرزتها وحملتها ظروف الحرب الإرهابية القاسية، وهي لا تنتمي قطعا إلى واقعنا ومجتمعنا وعاداتنا وتقاليدنا وديننا، بل شكلت حالات شاذة وناشزة حاول الإرهاب، ومن يمولونه، اختراق نسيجنا المجتمعي من خلالها لتمزيقه وتفتيته وشرذمته في إطار أجندة خبيثة باتت واضحة المعالم، وتستهدف خلق صراعات بين الأجيال، حاضرا ومستقبلا، وعلى نحو يخلط بين الأنساب والقيم والمبادىء، وهي البداية لضياع وتمزيق الهوية.

وما حدث خلال سنوات الحرب، عندما قام الإرهابيون من كل حثالات الأرض بممارسة أبشع أنواع الفحشاء، من زنا واغتصاب وسفاح محارم، وبما يخالف كل الديانات والأعراف الأخلاقية والإنسانية، سيبقى وصمة عار في جبين الانسانية جمعاء، ولعل حال تلك المرأة الأربعينية التي أنجبت طفلين غير شرعيين من أبوين مختلفين مجهولي الجنسية، يضعنا أمام معضلة شرعية وأخلاقية وإنسانية غير قابلة للتفسير، أو التبرير، أو التشريع، وهو ما ينسحب على مئات الحالات المماثلة، والتي راح ضحيتها عشرات الاطفال بلا ذنب.

رأي قانوني

للحديث عن هذا الموضوع الشائك، التقت “الشهباء” عددا من المحامين الذين أكدوا رفضهم الكامل لمنح هؤلاء الأطفال الجنسية السورية، جملة وتفصيلا، كونهم يشكلون خطرا مستقبليا محدقا بالنسيج العربي السوري.

نقيب المحامين بحلب، الأستاذ سالم كريم، أوضح أن مسألة الأطفال مجهولي النسب، غير المقيدين في السجلات المدنية، برزت نتيجة الزواج غير الشرعي من أجانب ليست لهم قيود في السجلات السورية، مشيرا إلى أن الكثير من هؤلاء – من جنسيات مختلفة، شيشان وأفغان وإيغور وأوزبك، وغيرهم – يحملون أسماء وهمية (أبو عبادة، أبو قتادة، وما شابه)، وبالتالي، لا يمكن الحصول على قيودهم كون أسمائهم وهمية.

ونوه الأستاذ كريم إلى أن هذا الموضوع من أهم وأخطر المواضيع المطروحة تحت قبة مجلس الشعب، ويثير جدلا صاخبا باعتبار أن هؤلاء الأطفال يشكلون خطرا، بمرور الأيام، في حال إعطائهم الجنسية السورية، مشيرا إلى أنهم ليسوا أهلا لإعطائهم الحقوق والواجبات كمواطنين سوريين، لذلك يجب التعامل مع هذه القضية بدقة وحذر شديدين، والحل – برأيه الشخصي – يكون بتسجيلهم ضمن سجلات قيد منفردة ومستقلة عن سجلات المواطنين السوريين لحين بلوغهم عمر الثامنة عشر، ويتم تقييد اسم الأب “عبد الله” إلى حين معرفة اسم الوالد الأجنبي الحقيقي، ومراسلة سفير الدولة للحصول على سجلات قيوده، كون إعطائهم الجنسية السورية بشكل غير دقيق وغير مدروس يشكل قنبلة موقوتة.

وبين عدد من المحامين أن الحل الوحيد لهذه المشكلة يكمن في تشكيل لجنة من القضاء والمحامين ووزارة الداخلية والجهات الأمنية، والجهات المعنية كافة، لإجراء تحقيقات محلية عن كل طفل، وهذا ما أكد عليه المحامي إسماعيل إسماعيل الذي نوه إلى أنه يجب أولا إعادة تأهيل هؤلاء الأطفال، وفتح تحقيقات للبحث عن هويتهم وانتماءاتهم وأصولهم، وذلك بالتعاون مع الجهات المختصة وأن يتم تسجيلهم في سجلات خاصة بهم.

المحامي محمد علاف أوضح أنه، ونتيجة لما يسمى “جهاد النكاح”، أصبح المجتمع يعاني من مشكلة الأطفال مجهولي النسب بفعل فقدان الوعي الاجتماعي وعدم التفكير بمصير الطفل، حيث تراوحت نسبة هؤلاء الأطفال – حسب المعطيات – في إحدى القرى الواقعة تحت سيطرة الإرهابين في ريف حلب، بين 30 و50 طفلا في القرية التي تضم 10 آلاف نسمة.

على الصعيد القانوني الدولي، يؤكد الدكتور عصام الشهابي، الأستاذ في كلية الحقوق في جامعة حلب، أن المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن لكل إنسان الحق في أن تكون له جنسية، وأنه لا يحرم أحد تعسفا من جنسيته، ولا من حقه في تغييرها.

وأضاف الدكتور الشهابي: إن المادة 24 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي صادقت عليه سورية في 21 نيسان 1969، نصت على أن يكون لكل ولد، دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب، حق على أسرته وعلى المجتمع وعلى الدولة في اتخاذ تدابير الحماية التي يقتضيها كونه قاصرا.

ونصت المادة على أنه يجب تسجيل كل طفل فور ولادته، ويعطى اسما يعرف به، وأن لكل طفل حق في اكتساب جنسية.

ويشير الدكتور الشهابي – بناء على هذه النصوص – إلى أن تمتع الشخص بالجنسية يعتبر في القانون الدولي من حقوق الإنسان، ويضيف أنه في القانون الداخلي نصت المادة 48 من دستور الجمهورية العربية السورية، للعام 2012، على أن “ينظم القانون الجنسية العربية السورية”.

وأشار الدكتور الشهابي إلى أن المادة الثالثة من المرسوم التشريعي رقم 276 للعام 1969 نصت على أنه يعتبر عربيا سوريا حكما:

أ – من ولد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري.

ب – من ولد في القطر من أم عربية سورية ولم تثبت نسبته إلى أبيه.

ج – من ولد في القطر من والدين مجهولين أو مجهولي الجنسية أو لا جنسية لهما. ويعتبر اللقيط في القطر مولودا فيه، وفي المكان الذي عثر عليه فيه، ما لم يثبت العكس.

د – من ولد في القطر ولم يحق له عند ولادته أن يكتسب بصلة البنوة جنسية أجنبية.

ولفت الدكتور الشهابي إلى أن المادة 31 نصت على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو بغرامة لا تزيد على ألف ليرة سورية كل من أبدى أمام السلطات المختصة, بقصد إثبات الجنسية له أو لغيره، أو بقصد نفيها عنه أو عن غيره, بيانات كاذبة، أو قدم إليها أوراقا غير صحيحة مع علمه بذلك”.

كما نصت المادة 29 من قانون الأحوال المدنية على أنه “يعتبر مجهول النسب عربيا سوريا ومولودا في سورية في المكان الذي عثر عليه فيه ما لم يثبت خلاف ذلك”.

ويؤكد الدكتور الشهابي أنه – بحسب التعليمات التنفيذية لهذه المادة – لا يجوز تصحيح اسم والد مجهول النسب إلى اسم رب الأسرة الحاضنة باعتبار أن التبني محرم شرعا.

من الناحية الدينية والإنسانية

الدكتور محمود عكام، مفتي حلب، قال لـ “الشهباء” أن الدين الإسلامي الحنيف كرم الإنسان أيما تكريم، ولعل أهم تكريم هو التنسيب، أي تثبيت النسب، ولا يمكن رفض تثبيت النسب لطفل نتج عن رابطة مشروعة بين رجل وامرأة بسبب موقف والده، أو جنسيته، لأنه قد يشكل – كما أشار البعض – قنبلة موقوتة تنفجر مستقبلا. وأوضح الدكتور عكام أنه إذا أهملنا أطفالنا المعروفين والموثوقة أنسابهم السورية فسوف يكون هؤلاء الأطفال قنابل موقوتة، ووقت تفجيرها عاجل أو قريب، كون الإهمال وعدم العناية بتربية الأطفال هو المهلكة، وأشار إلى أنه يجب تربية جميع الأطفال تربية وطنية جادة، وتربية أخلاقية عملية، وعدم إغفال حق تكريمهم، وهو كما ورد في القرآن الكريم (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله). وأكد الدكتور عكام ضرورة إعطاء الأم جنسيتها السورية لأولادها، وضرورة تشريع ذلك، وإعماله قانونا ودستورا، وأضاف: هناك أشخاص سوريون ولهم مناصب رفيعة ولهم أولاد سوريون وأمهاتهم سوريات، وعلى الرغم من كل ذلك تنكروا للوطن وانتهكوه.

القس اإبراهيم نصير، راعي الكنيسة الإنجيلية العربية، بين أن مفرزات كثيرة نتجت عن الأزمة، ووضعت سورية بواقع جديد، ومن بين هذه المفرزات مشكلة الأطفال غير معروفي النسب. وأضاف: هناك من تاجر بهذه القضية تحت عناوين متنوعة، مثل “جهاد النكاح”، وهذا لا يعتبر زواجا، لأن الزواج علاقة مقدسة، وقد نتج عنه عدد لايستهان به من الأطفال، ومعظمهم من أمهات سوريات.

وأشار القس نصير إلى أنه قد يكون هناك جزء من الأطفال كانوا نتاج علاقة بدون رضا أحد الطرفين مثلا، وأنه يجب أن يعالج موضوع مجهولي النسب أولا من ناحية فقهية، ومن ثم ايجاد صيغة قانونية ودستورية لمعالجته. وأضاف أنه، بالنسبة للمفهوم الإنساني لهذه القضية، فالمطلوب من الدولة السورية إيجاد آلية للتعامل مع هؤلاء الأطفال، ويجب تربيتهم وتعليمهم وتنشئتهم، وهذا هو الأهم، لافتا إلى أنه يجب أن يتم الاهتمام بهؤلاء الأطفال ورعايتهم فكريا حتى لايكونوا مشاريع تطرف مستقبلية، بل يجب أن يكونوا مشاريعا ضد التطرف في سورية.

وختم قائلا: الخيار الأنسب في حل مشكلة هؤلاء الأطفال هو تسخير الجهود الشرعية والقانونية والفكرية والاجتماعية كافة مع جهود المجتمع الأهلي لتنشئة الأطفال مجهولي النسب كون مواجهة التطرف تكون بسلاح العلم.

وجهة نظر المجتمع

تعددت آراء المواطنين حول هذه القضية الشائكة بجوانبها القانونية والإنسانية، إذ عبرت لمى العلي عن رفضها القاطع لإعطاء الجنسية لهؤلاء الأطفال باعتبارهم يمثلون امتدادا للإرهاب الذي حان الوقت للتخلص منه بكافة الأشكال.

وأشار الطالب محمد محمد من طلاب كلية الحقوق إلى أن هؤلاء الأطفال يشكلون إرهابا موقوتا، وحذر من مجرد التفكير بمنحهم الهوية السورية، لأنهم سيعودون لممارسة أفعال آبائهم في القريب العاجل.

ونوه علي أحمد إلى ضرورة التعامل بشكل حازم فيما يخص هذا الموضوع باعتباره خطرا على جميع أفراد المجتمع.

وأكد عدنان الأحمد أنه سمع عن أنموذج لإمراة أقدمت على “جهاد النكاح” من شخص فرنسي، وبعد مقتله في إحدى المعارك تزوجت زميله الأفغاني، فأصبح لديها طفلان، كل طفل من أب مختلف الجنسية.

وبين سمير جرجس أن لا ذنب لهذا الطفل، وأنه لا يمكن لأي فرد أن يرى طفلا متجردا من حقوقه كإنسان طبيعي وكفرد من أفراد المجتمع.

shahbaa.sy

Be the first to comment!
 
Leave a reply »